علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

7

البصائر والذخائر

هذا - حرسك اللّه - الجزء الثالث ، وقد سار إلى خزانتك الجزءان قبله ، ولولا حسن موقعهما منك ، وبهاؤهما في عينك ، وتقريظك لهما بلسانك ، وإعجابك بهما باستحسانك ، لكان نشاطي يقلّ ، وحدّي يكلّ ، ويدي ترفضّ ارفضاضا ، ويميني تنفضّ انفضاضا ، ولكني أحمد اللّه الذي زيّنك بتعرف المعارف ، وجعل ظلّك فيها الظلّ الوارف ، حتى خفّ عليك الغرم الثّقيل ، وبذل المال الجزيل ، وإكرام العلم وأهله ، وتعظيم الفضل وأربابه ، فلا زال نصيبك من محبّة العلم فوق نصيبك من محبّة المال ، وقسطك من التّعلّم فوق قسطك من الدّعوى ، وقد جبلك اللّه على خلق لو باهيت به قرناءك ، وساجلت عليه عشراءك ، كان لك السبق المبرّ ، والخالصة والسرّ ؛ نسأل اللّه بمجموع همّتك ، وخليّ ذرعك ، وفارغ بالك ، أن يجبر كسرنا ، ويفكّ أسرنا ، ويصرف حسن الدّنيا عن قلوبنا ، ويوصل حلاوة الآخرة إلى صدورنا ، ويهدينا إلى الصّراط وأوضح السّبل ، ولا يكلنا إلى اللّهو واللّعب فنعطب ، ولا يوكل بنا التّشمير والجدّ فنتعب ، ولكن قواما بين ذلك ، فخير الخير ما أخذ الواسطة واستقرّ في المنصف . واعلم « 1 » - لقّيت المنى ، وجنّبت الرّدى - أنّا قد أصبحنا في دار رابحها خاسر ، ونائلها قاصر ، وعزيزها ذليل ، وصحيحها عليل ، والداخل إليها مخرج ، والمطمئنّ فيها مزعج ، والذائق من شرابها سكران ، والواثق بسرابها ظمآن ، ظاهرها غرور ، وباطنها شرور ، وطالبها مكدود ، وعاشقها مجهود ، وتاركها محمود ، والعاقل من قلاها وسلا عنها ، والظريف من عابها وأنف منها ، والسّعيد من غضّ بصره عن زهرتها ، وصرف نفسه عن نضرتها ، وليس لها فضيلة إلّا دلالتها على نفسها ، وإشارتها إلى نقصها ، ولعمري إنّها لفضيلة لو صادفت قلبا عقولا ، ولسانا قئولا ، وعملا مقبولا ، لا لفظا مقولا ؛ إلى اللّه

--> ( 1 ) نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج 8 : 248 ولم يصرح بأنه للتوحيدي .